علي بن مهدي الطبري المامطيري
84
نزهة الأبصار ومحاسن الآثار
ما أنا بفاعل . فلقي منهم عنتا ، فنذر لئن ولد له أولاد وبلغوا يذودون عنه لينحرنّ أحدهم للّه تعالى عند الكعبة . وقالت قريش : أنصفنا منك يا شيخنا ، فإنّا غير تاركيك حتّى نخاصمك فيها ، فقال عبد المطّلب : فاجعلوا بيني وبينكم من شئتم أحاكمكم إليه . فقالوا : نخاصمك إلى كاهن من بني سعد ، فركب عبد المطّلب مع نفر من بني أبيه ، فركب من كلّ قبيلة من قريش نفر ، فلمّا حصلوا « 1 » في المفازة فني ماؤهم ، فظمئوا حتّى أيقنوا بالهلاك ، فاجتمعوا إليه ، وقالوا له : ماذا ترى في أمرنا ؟ فإنّ رأينا تبع لرأيك ، فمرنا بما شئت ، فقال : أرى أن يحفر كلّ رجل منكم حفرة لنفسه ما دام بكم طرق . فقالوا له : نعم ما رأيت ! فقام كلّ واحد ، وحفر حفرته ، فأبطأ عليهم الماء . ثمّ إنّ عبد المطّلب قال لهم : ارحلوا ؛ فلعلّ اللّه يرزقنا ، فارتحلوا ، وتقدّم عبد المطّلب على راحلته فركبها ، فلمّا انبعثت به انفجرت من خفّها عين من ماء عذب ، فكبّر عبد المطّلب ، وكبّر أصحابه ، ثمّ نزل عن راحلته وشرب ، وشرب أصحابه معه ، واستقوا حتّى ملأوا أسقيتهم ، ثمّ قالوا له : يا شيخنا ، واللّه لا نخاصمك في بئر زمزم أبدا بعد ما سقاك اللّه هذا الماء بهذه الفلاة ، فارجع إلى سقايتك راشدا ، فرجعوا معه ، ولم يقصدوا قصد الكاهن . فحفر عبد المطّلب بئر زمزم دون بني عمّه من قريش ، فوجد فيها جفر غزالين من ذهب ، وهما الغزالان اللذان دفنت جرهم فيها حين خرجت من مكّة ، ووجد فيها سيوفا وأدرعا . فقالت له قريش : إنّ لنا معك في هذا شركا وحقّا ، فقال عبد المطّلب : هلمّوا إلى أمر نصف بيني وبينكم ، واضربوا عليها بالقداح ، وقال : أجعل الكعبة قدحي ولكم قدحين ، فمن خرج قدحاه على شيء كان له ، فقالوا : أنصفت يا شيخ ، فجعل عبد المطّلب قدحين أصفرين ، فخرج الأصفران عن الغزالين للكعبة ، فصيّر عبد المطّلب من الغزالين صفائح من ذهب ، وحلّى بذلك باب الكعبة ، فذلك أوّل ذهب حلّي به الكعبة . فلمّا تمّم اللّه ذلك لعبد المطّلب أراد ذبح ابنه عبد اللّه ، فمنعته قريش عن ذلك ؛
--> ( 1 ) . قوله : « حصلوا في المفازة » أي : بقوا في المفازة .